تشرق الشمس على قريتنا، فتبدأ رحلتنا اليومية نحو النهر. الطريق اليه هو المرور بمحاذاة جدار بستان Hacî Ebdullah؛ ذلك الجدار المبني من الحجارة (Kevir) الصماء التي كانت تسكنها حيوانات (Gomgumok-Marmarok)، فكنا نراقبها وهي متشبثة بالأحجار، تنظر إلينا بعيونها الساكنة. وأحياناً، كان الطريق ينقطع بمرور أفعى سوداء (Mar) تنسلّ بهدوء نحو الجهة المقابلة.
كنا نواصل المسير حتى نصل إلى الساقية (Cû)، فنعبرها بخفة وصولاً إلى الطاحونة (Aş)، ومن هناك يبدأ المنحدر الذي يوصلنا إلى Borê Tehtik. سُمي المكان بهذا الاسم نسبة إلى كثرة الأحجار والصخور (Teht) التي تملأ المجرى وعلى طرف النهر من جهتنا، وهناك كنا نمارس طقوس طفولتنا من سباحة ولعب وصيد .
كانت الضفة المقابل أشجار الحور الخاصة بـ sipindar Gerbo، ( سغتين الاب –كربيس الابن شخص مسيحي من ديريك كان يملك تلك الأراضي) حيث كنا نقضي الوقت في صيد العصافير بين اشجاره، بينما ننتقل لوسط النهر لنصطاد الأسماك (Masî) من تحت الأحجار. وعلى اليمين من جهة قريتنا، كانت تلوح لنا أشجار حور المرحوم Mihemed Elî Şorkî، تتشابك في أغصانها كروم العنب (Mêwên tirî) المتسلقة، بينما تحرس الجهة اليسرى أشجار حور Hecî Ehmed وكرومه وشجرتين من الجوز.
لم يكن Borê Tehtik مجرد مكان للصيد، بل كان القلب الاجتماعي للقرية؛ ففيه تجتمع النساء لغسل الثياب والقطن والصوف، ومع حلول فصل الربيع (Bihar)، يعلو صوت الغناء والبهجة وهنّ يغسلن صوف الأغنام (Hirî). كان للمكان قدسية اجتماعية، إذ كان من المعيب أن يقترب الرجال من تلك المنطقة لوجود النساء.
أما نحن الصغار، فكانت مغامرتنا تمتد من "Tehtik" صعوداً إلى Borê Mihemed Girî، الذي يتوسط المسافة بين "Borê Tirimpa lî" و"Teht"، وقد سُمي نسبة إلى المرحوم Mihemed Girî. كنا نصطاد السمك هناك باستخدام Sellek؛ تلك السلة الدائرية المتقنة المصنوعة من أغصان أشجار الصفصاف (Bî)، والتي كان الخال Hesen Mihemed Elî Şorkî بارعاً في صناعتها وحياكتها بفتحة ضيقة حتى لا تستطيع الاسماك من الخروج منها وكنا نضع فيها العجين طعما للأسماك واحيانا كانت السلاحف والسرطانات تدخلها وتأكل الأسماك.
وعندما يحلّ التعب، كنا نرتوي من نبع الماء (Kanî) العذب أسفل الطاحونة. وفي طريق العودة، نجمع الورود (Gul) التي تنبت بغزارة على طول السلسلة الممتدة من النبع إلى الساقية. نعود للبيت ونحن نحمل باقات الورد، لنضعها في كؤوس الماء على شبابيك الغرفة (Pencere)، لتظل رائحة النهر وعبق أشجار "Bî" تملأ أنفاسنا.واحيانا ما تم اصطياده من العصافير والأسماك .
مجالس النساء
person
محي الدين فقة