في عز ظهيرة القرية، حين يهدأ كل شيء إلا صرير الأبواب المصنوعة من تنك الحلاوة، كان يطل علينا البائع على دراجته "البايسكل". دراجة هرمة، لكنها تحمل فوقها كنزاً حقيقياً: برادين متشابهين تماماً في الشكل واللون، وكأنهما صندوقا أسرار يخبئان شيئاً ما بداخلهما.
كنا نهبّ من أزقتنا كالعصافير، والقلوب تخفق مع كل رنة جرس. يصفّ البائع دراجته، وبحركة احترافية يرفع الغطاء، فيخرج بخار البرودة ليعلن عن الكنز؛ أحدهما للدوندرمة، والآخر للكلاسة. هناك، كانت ترقد الدوندرمة الملونة: البيضاء كالثلج، والصفراء الفاقعة كالليمون.
كانت "العملة" عندنا أنواعاً؛ فمن يملك فرنكين، أو ربع ليرة، أو نصف ليرة، يشتري لنفسه ولإخوته، ومن يملك "ليرة" يشتري للعائلة كلها. أما مَن كانت جيوبه خاوية، فكان يركض نحو "القنّ" ليخطف بيضة دافئة سحبها للتو من تحت الدجاجة، ويقايض بها البائع بابتسامة نصر.
لكن العشق الأكبر كان لـ "الكلاسة"، تلك القطعة المستطيلة المثلجة، والمثبتة بقطعة خشبية صغيرة. لم نكن نأكلها قضماً، بل كنا "نمصّها" بكل جوارحنا. ندخل الكلاسة الباردة إلى أفواهنا ونبدأ بسحب النكهة سحباً، حتى تتحول قطعة الثلج بين أيدينا من اللون الزهري أو الأصفر إلى اللون الأبيض الشفاف، وتنتقل الصبغة كلها إلى ألسنتنا.
وهنا، يبدأ "تحدي الألسنة"؛ نمد ألسنتنا لبعضنا البعض بزهو قائلين: "شوف لساني صار أصفر ليموني!"، بينما يتربص بنا "الطفل المشاكس" الذي يحاول دائماً خطف "لحسة غدر" سريعة من كلاسة صديقه، لتبدأ مطاردة ضاحكة بين البيوت، وصاحب الكلاسة يركض بحذر خوفاً على ثلجه من أن ينفصل عن الخشبة ويسقط على التراب.
وفي النهاية، حين يفرغ الزقاق من صياحنا، يمسك البائع مقود دراجته، ويعطي الجرس رنة أخيرة مودعاً (جر... جر...)، ويبدأ بالابتعاد. نراقبه وهو يصغر ويختفي خلف منعطف القرية، ونبقى نحن نلوك "الخشبة الصغيرة" في أفواهنا، نمصها بقوة حتى تبيضّ تماماً وتفقد كل أثر للسكر والليمون، وكأننا نحاول أن نُبقي طعم ذاك اليوم الجميل بين أسناننا لأطول وقت ممكن.
يرحل بائع الدوندرمة ببراديه المتشابهين، ويتركنا نمسح وجوهنا الملطخة بالألوان، بانتظار (جر... جر...) جديدة، تعيد للقرية نبضها في اليوم التالي.
الدوندرمة والكلاسة
person
محي الدين فقة
AI