أبناء ديركا حمكو....منطقة كوجرا....ودشتا هسنا.....خصوصا والأعمار التي تبدأ بالأربعين تقريبا يتذكرون الأعراس الفلكلورية القديمة والتي كانت تقام في البيادر والفلا وتحت أشعة الشمس وضوء (اللوكس) المعلق على عمود صغير وأحيانا تحت ضوء القمر الصيفي .وصوت المزمار لم تكن تفارق الأذن إلا بعد أيام وأيام وصوت الطبل كانت تسمع القرى المجاورة ونغمة الطبل كنت تعرف أي دبكة يدبكون وأي أغنية يغنيها المزمار وبالأخص فناننا ومحبوبونا احمد أصلان التقيت به ببداية عام 2012 في حي زورافا بمدينة دمشق وبعد حديث طويل مع ذكرياته فقال:
انا احمد اصلان وعمري 72 سنة (أي من مواليد 1940) ولدت في قرية (جم شرف Çem şeref) وهي مسقط راسي وبعد فترة قصيرة انتقلنا الى قرية (ريك افا Rikava) ومن ثم الى قرية (بليسية Pilêsîyê) ومنها انتقلنا الى قرية (خراب رشك Xirabraşik) الى ان غدر بنا الدهر واستقرتنا هنا بوادي المشاريع (Zorava ) بدمشق.بدأت فن المزمار (زرنة zirne) منذ صغري مع والدي المرحوم أصلان وكنت أرافقه في أعراس المنطقة جميعها منطقة (الديمانيا والكوجرات) وكنت أمارس الزرنة في البداية بفترات الاستراحة وأحيانا عندما كان يتعب والدي .وكثيرا كان كبارية أهل القرى التي كنا نزفها يستغربون مني ومن حركاتي والأغاني التي كنت ألحنها.كان والدي أصلان (زرنه )وعمي متولي ( داهول ) يشكلان توأم في الأعراس ,تعب والدي وعمي في هذه المهنة وبدأت أنا وأخي محمد الله يذكروا بالخير وهو ما زال حيا في مدينة المالكية (ديركا حمكو) كنت انفخ في المزمار (زرنه )وأخي محمد يدق الطبل (داهول Dahol ).مارسنا هذا الفن حتى أوائل التسعينيات تقريبا وبدأ بالتراجع نتيجة دخول الجيل الجديد على الخط بالأجهزة الحديثة والأغاني الجديدة .أتذكر تلك الأيام جيدا فلم يكن هناك منافس لنا في المنطقة الا بيت علانه .وعلى سبيل الحدث أتذكر ذات يوم وكان أغلبية أهل المنطقة عبارة عن تيارين سياسيين في تلك الفترة (بالستينيات) وكنا نحن مع التيار (اليساري) فوجئنا بأحد الأعراس بان احمد علانة وهو أيضا صاحب مزمار جيد جدا يحيي عرسا في إحدى قرى المنطقة فقابلت المرحوم والمناضل إبراهيم حاج صبري (من التيار اليمين هكذا كنا نسميهم ) وأبديت انزعاجي منه على هذا الحادث فقلت له انني أولى من احمد علانه لاحياء تلك العرس ولكوني يساريا قمتم باستبدالي وحضرتم احمد علانه وقلت له مازحا (...........يا أخي والله ما بذعل اذا واحد منكم انتم (اليمين) يتعلم الزرنة او يحيي الحفلات تبعكون بس تبدلوني باحمد علانة لا والله بزعل او ما برضاها وضحك ضحكته مازحا.......) طبعا المرحوم إبراهيم كان يمثل( اليمين) في تلك الأيام بالمنطقة . فتحول الى مشاجرة كلامية بيننا وبعدها تصالحنا وتصافحنا .في حينها.كان صوت مزماري (زرنا من Zirna min) معروفا في المنطقة وحتى في الطرف الثاني من الحدود (سرخت serxet) أي تركيا وأتذكر حادثة مرت معي في تلك الأيام حيث كان أهل المنطقة يعملون (بالتهريب ) أي ( تهريب) كان بالاسم تهريب ...شوية شاي ...صابون ......بواط بلاستيك نسميه(تولك Tolik ) وما شابه ذلك .وفي إحدى الأيام كنت مع المرحوم سيد سليم من( كنكلو) وكان من قوات البيشمركة القيادة المؤقتة الله يرحموا عبرنا نهر دجلة إلى ضيعة اسمها (باسروني) وهي مقابل قرية دير الدجلة بالطرف الثاني من النهر وحلينا ضيفا على المرحوم محمد خللو وهو أيضا كان من البيشمركة وللصدفة كان هناك عرس بالقرية وكان الجو ماطرا وأصبحت أنا والسيد سليم (برا زافا Bira Zava) للعريس,اصر سيد سليم بان يعمل حركة من حركاته وفي فترة الاستراحة اخذ سيد سليم مزمار المطرب وقال لي قف بخلفي و تخبئ كي لا يراك احد (طبعا ما كان في كهرباء)وأنا سأنفخ المزمار وأنت من خلفي ستمسكها بيدك وتنغمها وفعلا بدأ بنفخ الزرنة وقمت بالتكميل وهنا ضحك المطرب وقال لا والله هذا المزمار لأحمد أصلان وعرفها من لحنها.أما بالنسبة لأجرة الأعراس فكنا نتفق عليها في منطقتنا مع أهل العريس أما بمنطقة الكوجرات كنا نضع (كفي Kefi) أي الجمدانية بجانب جمدانية العريس يوم الجمعة والتي كانت أخر أيام العرس وعادة تكون يوم الجمعة اي اليوم الثالث للعرس وكان المدعوون هم الذين يدفعون أجرتنا وكانت هذه عادة جيدة عندهم لتخفيف التكاليف عن أهل العريس..
.احمد أصلان نهى كلامه ويداه اللتان كانا يرجفان المزمار (زرنه ) بأصابعه وعندما كان يقف بأول حلقة الدبكة وينظر إلى أخرها بعينيه والعدد يتجاوز ما بين 200 الى 300 شخص احيانا من النسوة والرجال وهو يغني لهم ( از خلفم خلفم ez xelafim Xelafim)ولباس شباب منطقة (ديمانيا) يتمايلون يمينا ويسارا أمامه برأس الدبكة ولا ينسى منظر منطقة (كوجرا) أيضا يتمايلون أماما وخلفا برأس الدبكة ولكن بلابسهم (الكلابي الأبيض الناصع والجمدانية الحمراء). (احمو يه أصلان )المتعارف بهذا الاسم غنى بمزماره وبحضور الغني والفقير ,العامة والمسؤولين اغنية(از كجكا كرديمة هو يمان او يمان وك سيفا صور او سبي مه هو يمانا خوده ezkeçika kurdîme ho yeman û yeman wek sêva sor û sipîme ho yemana Xudê..(....لاوكي من بيشمركه يه هو يمان اويمان جان فدايه ولاته خويه هو يمانا خوده) وبمزماره غنى لحرب تشرين السورية أغنية (حربا سري روجي يى جي حربك كرانه......شارعى شامي تنكن خون هركي دكانا .....قيره قيرا دايكا جافي وان لمكتوبا انه Herba serê rojîyê çi herbek girane şari3ê şamê tengin xûn herikî dikana qîre qîra dayîka çavê wa li mektobane) . غنى بمزماره لعبد العزيز سمي (جارو حيران جيا كي جودي لمن بسلسله ....دشتكا سلوبيا لمقابله ...حجي دوست او ياركي وان بدلي وا بن جي ملك او املاكي دنيا يى جيتره Çîyakê cudî bimin selsile Deştika silopîya miqbile yê dost û yarê wa bidlê wa bin ji milk û amlakê dinê çêtire ) .نقاوة صوت مزماره كأنها تترجم لك الأغنية من أي لغة بالعالم إلى لغتك إلام كنت تنسى من هو الفنان او من القائل ,ألان يرتجف أصابعه من هذا المرض العصبي ولكن حكم الفلك أقوى منه ونحن الكرد لا نتذكر قيمة الإنسان إلا بعد رحيله.
عرف أبو ميفان بمزماره السحري وكيف كان باستطاعته أن يجعل الشخص يهز بأكتافه بغض النظر عن معرفته بالدبكة أم لا....احمد أصلان (ابو ميفان) من الأوائل الذين تلازموا الأعراس الفلكلورية بالمنطقة وهو يقوم بفنه وباب رزقه إلا أن جاء ما يسمى عند أهل المنطقة بالجهاز( الإذاعة ) فقضى على فن المزمار بالتدريج .هاجر ابو ميفان قرية خراب رشك إلى المالكية ومنها استقر في الآونة الأخيرة مدينة دمشق حي زور افا
احمد أصلان يشكل تراثا وتاريخا لمنطقة المالكية ( ديريك ) فهل حافظنا عليه وهل قدمنا له ما قدمه هو لنا .يكفي فخرا له بمزماره تساوى الغني والفقير ودبك أمامه النسوة والرجال ولم يغير يوما ألحانه وأغانيه الفلكلورية النابعة من قلب المنطقة ...ابو ميفان لم يعرف التعب وكان يواصل المزمار حتى الساعات المتأخرة من الليل دون تعب وكان يقبل التحدي مع الشباب أيهما يتعب سيدفع للثاني وحتى أوقات الاستراحات كان مزماره عبارة عن لغة من أروع لغات الموسيقى حتى أغاني عبد العزيز سمي من جارو حيران ودرويشه عبدي وكجكا سموكيا ولى لى بسه وديرسم كان يترتلها وكأنهم أمامك .دخل الفرح والسعادة وزرع البهجة في نفوس شبابها وشيبها نساء ورجال .......... فاللذين أقيموا أعراسهم على أنغام مزماره (زرنا وي) هم ألان لهم أولاد وأحفاد وسيتذكرون مزمار احمد أصلان بأعراسهم في أول شهيق وحسرة على الماضي الجميل من حياتهم.
أنفاسٌ من تراثنا أحمد أصلان.. المزمارُ الذي وحّد القلوب في ديركا حمكو
محي الدين فقة