ولد الشهيد عبد الكريم محمود، المعروف بـ "أبو يلماز"، عام 1966 حسب قيود أجانب الحسكة في قرية "الزهراء" (كنكلو) التابعة لمدينة ديريك بمحافظة الحسكة. نشأ في كنف المعاناة كواحد من "مكتومي القيد" الذين حرمهم الإحصاء الجائر من حقوقهم المدنية، فخبِر قسوة الحياة والعمل في فِلاحة الأرض , وأعمال القرية منذ صغره.
في أواخر السبعينيات، غادر قريته شاباً ثائراً باحثاً عن الرزق في دمشق، فانتقل بين أحيائها (المهاجرين، دمر، الهامة، وباب مصلى)، حتى استقر في "حي القابون". هناك بنى أسرته وامتهن "الدهان" فأصبح معلماً بارعاً فيها، كما صقل جسده وروحه في "نادي بيت الكاراتيه" بشارع بغداد، حائزاً على الحزام الأسود تحت إشراف المدرب شمس الدين صوفناتي.
لم يكن أبو يلماز مجرد عاملٍ عابر، بل كان مسكوناً بالهمّ القومي والطبقي. انضم لصفوف "الاتحاد الشعبي الكردي"، وانخرط في العمل الميداني والمنشورات السرية. وفي عام 1983، كان من أوائل الذين وضعوا لبنات "حي زورافا" بدمشق، ليحول منزله هناك إلى صالون ثقافي ونضالي؛ ففيه تعلم الشباب اللغة الكردية، وفيه تدربت الأجيال على "الدبكات" والمسرح ضمن "فرقة كاوا" الفلكلورية.
سجل التاريخ لأبو يلماز حضوراً لا يغيب في المحطات الكبرى؛ فمن توزيع جريدة "الاتحاد والتضامن" سراً في أزقة ركن الدين عام 1984، إلى الوقوف في مقدمة مظاهرات "نوروز 1986" عقب استشهاد سليمان آدي، وصولاً إلى الاعتصامات أمام البرلمان للمطالبة بالجنسية عام 1990. وحتى في الفن، كان منزله خشبة المسرح الأولى لمسرحية "حلبجة" التي جسدت مأساة الكيماوي عام 1988 وشيخ سعيد بيران.
بقي أبو يلماز وفياً لنهجه القديم رغم الانقسامات، وظل يعتبر السياسة مبادئ لا مكاسب. وفي عام 2012، حين نُصح بترك العمل السياسي بعد أن اختلطت الأوراق وكثر "المرتزقة"، ردّ بعزة المناضل ممسكاً عكازته: "إنها كحبة المخدر.. إنها إدمان".
انتهت رحلة هذا المناضل الصامت خلف قضبان الاعتقال دون تهمة من قبل نظام الأسد الابن، ليداهمه المرض ويُنقل إلى "مشفى ابن النفيس". ومن سخرية القدر المرّة، أن يقضي أيامه الأخيرة في المشفى الذي ساهم هو نفسه في بنائه عاملاً
في الثمانينيات، ليرحل عن عالمنا وحيداً، ملفوفاً ببطانية، بعيداً عن تراب قريته "كنكلو" التي حلم بالعودة إليها محمولاً على أكتاف الرفاق ومرفوعاً بالعلم الكردي.
لقد رحل أبو يلماز شهيدا و ليبقى وصمة عار في وجه النظام الأسدي الابن و"ساسة الصدفة" الذين جهلوا تاريخه في يوم عزائه، ويبقى تاجاً من نور في ذاكرة الشرفاء.
إلى روحك المجد والخلود..
أبو يلماز في سطور.. رحلة النضال من كنكلو إلى أسوار دمشق
person
محي الدين فقة