الفرح الكبير
كنّا صغاراً، وفي كل شتاء كنّا نراقب السماء بعيون مترقبة.
ما إن نشعر بنسمة هواء باردة، ونرى الغيوم تتقلب شيئاً فشيئاً نحو البياض، حتى نركض مسرعين إلى الأهل، وخصوصاً إلى أمّنا:
— هل اليوم سينزل الثلج يا أمي؟ الغيوم صارت بيضاء، والجو ساكن، والهواء البارد قادم من الغرب.
فتجيبنا بصوت عالٍ مليء بالأمل كي نفرح:
— إن شاء الله يا أمي.
لكن بصوت خافت، بالكاد يُسمع، كانت تهمس:
الله يسترنا من عاصفة قوية… لسنا بحاجة لها. ستبقى الدواب والماعز في الأكواخ، والمونة قد تنقص، والطرق إلى ديريك ستُغلق. وقد يأتي الصقيع بعد الثلج، فيزيد الطين بلّة، وربما يتسلل البرد إلى بيوتنا.
أمّا نحن، فلم يكن في بالنا سوى الفرح.
نبدأ بالتحضير لقدوم الثلج: نبحث عن كفوف الصوف التي حيكت بأصابع أمّنا أو أخواتنا، ونفتّش عن البوط البلاستيكي، ونضع كل شيء قريباً من أيدينا كي لا نضيّع الوقت في صباح الغد.
وفي الصباح الباكر، نفتح باب الدار الخشبي…
يا إلهي! إنه الفرح الكبير.
— الثلج يا أمي… الثلج!
فنخرج كالمجانين، نتزحلق فوق بياضه النقي، قبل أن تلوثه أقدام المارّة.
— أمي، طلبٌ آخر؟
— هل لدينا ما يكفي من البيض؟ ففي أيام الثلج لا يأتي الضيوف على غفلة.
— ولماذا تسأل عن البيض؟
— لأذهب إلى الدكان وأشتري علبة دبس.
تتنهد وتقول:
— حسناً يا أمي، افتح البرّادة تحت الرف، خذ كم بيضة، وهات علبة دبس… لكن دير بالك، لا تتزحلق وتكسر البيض.
— حاضر يا أمي، سأنتبه.
وعند عودتنا من الدكان، يبدأ أهل القرية بالخروج من بيوتهم، يتجمعون في الساحات، ضحك، لعب، قهقهات، وكرات ثلج طائرة في كل اتجاه.
ولا بدّ من دمعة أو بكاء بعد ضربة “صاروخية” من صديق مشاغب، كرة ثلج قاسية، مدعّكة بالأيدي، قد تصيبك في رقبتك من الخلف، أو بين عينيك… لا أحد يعلم من أين تأتي.
هكذا كانت أوقاتنا،
هكذا كان يأتي الفرح الكبير
محمد جانكير
الفرح الكبير
person
محمد جانكير